السيد مهدي الرجائي الموسوي
340
المحدثون من آل أبي طالب ( ع )
( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ففرّق بها بين قبل وبعد ، ليعلم ألّا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرّرها ، دالّة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها . حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها من غيرها ، له معنى الربوبية إذ لا مربوب ، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه ، ومعنى العالم ولا معلوم ، ومعنى الخالق ولا مخلوق ، وتأويل السمع ولا مسموع ، ليس مذ خلق استحقّ معنى الخالق ، ولا بإحداثه البرايا استفاد معنى البارئية ، كيف ولا تغيّبه مذ ، ولا تدنيه قد ، ولا يحجبه لعلّ ، ولا توقّته متى ، ولا تشتمله حين ، ولا تقارنه مع . إنّما تحدّ الأدوات أنفسها ، وتشير الآلة إلى نظائرها ، وفي الأشياء يوجد فعالها ، منعتها مذ القدمة ، وحمتها قد الأزلية ، وجنّبتها لولا التكملة ، افترقت فدلّت على مفرّقها ، وتباينت فأعربت عن مباينها ، لما تجلّى صانعها للعقول ، وبها احتجب عن الرؤية ، وإليها تحاكم الأوهام ، وفيها أثبت غيره ، ومنها أنيط الدليل ، وبها عرّفها الإقرار ، بالعقول يعتقد التصديق باللّه ، وبالإقرار يكمل الإيمان به ، ولا ديانة إلّا بعد المعرفة ، ولا معرفة إلّا بإخلاص ، ولا إخلاص مع التشبيه ، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه . فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه ، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ، لا تجري عليه الحركة والسكون ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، أو يعود فيه ما هو ابتدأه ، إذاً لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه ، ولما كان للبارىء معنى غير المبروء ، ولو حدّ له وراء إذاً حدّ له أمام ، ولو التمس له التمام إذا لزمه النقصان ، كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدث ، وكيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الإنشاء ، إذاً لقامت فيه آية المصنوع ، ولتحوّل دليلًا بعد ما كان مدلولا عليه . ليس في محال القول حجّة ، ولا في المسألة عنه جواب ، ولا في معناه له تعظيم ، ولا في إباءته عن الخلق ضيم ، إلّا بامتناع الأزلي أن يثنّي ، وما لا بدأ له أن يبدأ ، لا إله إلّا اللّه العلي العظيم ، كذب العادلون باللّه ، وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً ، وخسروا خسراناً مبيناً ، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطاهرين « 1 » .
--> ( 1 ) التوحيد ص 34 - 41 ح 2 ، بحار الأنوار 4 : 227 - 230 ح 3 ، و 57 : 43 - 45 ح 17 .